أخبار وطنية أيّها السّادة الحكّام، الكورونا عرّت سياساتكم وسياسات أسلافكم، فما أنتم فاعلون؟ بقلم الأستاذة منيرة يعقوب
بقلم الأستاذة منيرة يعقوب
الجميع يتابع ما يجري على السّاحة الدّوليّة وتبعاتها على تونس في ما يتعلّق بإستيراد الأدوية والمستحضرات الضّروريّة للتصدّي لوباء الكورونا. وللأسف، غالبا ما نتناول الموضوع من جوانبه الإجرائيّة وحيثيّات وصول هذه الدّفعة من عدمها من ذاك البلد أو المنظمة لأسباب تتراوح بين خضوع هذه المبادلات لقوانين السّوق بما فيها من توحّش قد يصل المزايدة ورسوّ "البيعة" على من يدفع الأكثر أو حتّى قرصنة وما يرد في التّفسيرات الرّسميّة من عدم جاهزيّة "البضاعة"...
بينما يقتضي الأمر، إلى جانب البُعد الإعلامي التّقريري، التّركيز على ما يتوجّب فعله مستقبلا لضمان الحدّ الأدنى الضّروري من تصنيع لحاجيّاتنا عموما وفي فترات الأزمات كالتي نعيشها الآن ولا فائدة من التّذكير أنّ لتونس الكفاءات العلميّة الضّروريّة ولا نفتقر إلّا للإرادة السياسيّة وحاليّا للإرادة في المراجعة الجذريّة للخيارات...
لكن، وللأسف أيضا، وعلى ضوء ما يجري على السّاحة الدّوليّة من ارتفاع أسعار الأغذية فضلا عن الصّعوبات النّاجمة عن مشاكل النّقل البحري والجوّي وتصاعد موجات إنكفاء الدّول على نفسها وتضاؤل وازع التّضامن الإنساني، يمكن في هذه الأوضاع أن نتصوّر بسهولة أزمات قادمة في علاقة بتوفير الغذاء.
في هذا الوضع يمكننا أن نتساءل عمّا فعلته الدّولة التّونسيّة إستعدادا لهذه الوضعيّة القادمة لا محالة.
كلّنا فرحات وفرحون لنجاة بعض ولايات الشّمال الغربي من تفشّي وباء الكورونا، الشّمال الغربي هو سلّتنا الغذائيّة (إلى جانب بعض ولايات الوسط الغربي) وكلّها مناطق لم تلقى ما تستحقّ من العناية والدّعم من الدّولة لا قبل ولا بعد 14 جانفي، فهل ستستفيق الدّولة الآن للدّور الحيوي الذي تلعبه هذه المناطق في مدّنا بماء الشّراب والحبوب والخضر والغلال والنّباتات الطّبيعيّة المستعملة في صناعات الأدوية واللّفت السكّري الذي يستخرج منه الكحول فضلا عن السكّر؟
هل تفكّر الدّولة الآن في حماية مواطناتنا ومواطنينا هناك صحيّا بتركيز ما يلزم من هياكل صحيّة لمراقبة الوضع و تجهيز المستشفيات بشكل يجعلها قادرة على ردّ الفعل بالسّرعة الكافية (لأنه ولحدّ الآن يتمّ التّعامل مع النّجاة من عدوى الكورونا بعقليّة: نقصت علينا جهة نهتمّو بيها!)؟
هل للدّولة مخطّطات جاهزة لتعزيز ماهو موجود من آلات حصاد ومخازن تجميع وبيوت تبريد (حتّى لا نعيش مأساة الخيرات المبثوثة على قارعة الطّريق وفي العراء)؟ هل وضعت الدّولة برامج وإعتمادات لتشجيع الفلاحين والفلاحات وعملة وعاملات الفلاحة بشطب الدّيون وتخصيص مزيد من وسائل النّقل اللّائق؟
هل لدى الدّولة التّونسيّة الشّجاعة الكافية لتغير توجّهاتها وجعل الفلاحة في صدارة القطاعات الإستراتيجيّة؟ هل للدّولة التّونسيّة الشّجاعة الكافية للمرور الآن لتثمين الأراضي الدوليّة المهملة والإستثمار فيها لضمان آلاف مواطن الشّغل وقوتنا؟
أخيرا، هل سيستفيق أصحاب القرار أنّه لا نجاة دون الإهتمام بالأرض والفلاحة والصّناعات الغذائيّة وجعلها من أهمّ مظاهر حضور الدّولة على أرض الواقع؟
الفلاحة والصّناعات الغذائيّة التّابعة للقطاع العام أُستهدفت بل وقُضِيَ عليها طيلة عقود ونحن نجني "الثّمار المرّة" لهكذا سياسات وآن الأوان لتركها والتّخلّي عن الخطب الممجوجة التي "تطمئن" الرّأي العام بوجود مخزون كاف لموسم كذا أو كذا وتنتهي عادة بـ"سنستورد" كميّة تعديليّة للسّوق!
أيّها السّادة الحكّام، الكورونا عرّت سياساتكم وسياسات أسلافكم وها أنّنا نعيش على أرض الواقع نتائج خياراتكم... صحيح، الأولويّة الآن للتّداوي (الأصحّ: إنقاذ ما يمكن إنقاذه) لكنّ أزمة الغذاء قادمة، فما أنتم فاعلون؟